أبي حيان الأندلسي

337

البحر المحيط في التفسير

مفرد إلى اسم ظاهر ، فلو جرى على نظم الكلام السابق لكان : واللّه رؤوف به أو بهم ، وحسن الالتفات هنا بهذا الاسم الظاهر شيئان . أحدهما : أن لفظ : العباد ، له في استعمال القرآن تشريف واختصاص ، كقوله : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ * « 1 » سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا « 2 » ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا « 3 » بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ « 4 » . والثاني : مجيء اللفظة فاضلة ، لأن قبله : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ، فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ فناسب : وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ . وفي هذه الآية ، والتي قبلها من علم البديع : التقسيم ، وقد ذكرنا مناسبة هذا التقسيم للتقسيم السابق قبله في قوله : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا قال بعض الناس : في هذه الآيات نوع من البديع ، وهو التقديم والتأخير ، وهو من ضروب البيان في النثر والنظم دليل على قوة الملكة في ضروب من الكلام ، وذلك قوله : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ متقدم على قوله : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ لأن قوله : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ معطوف عليه ، قوله : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ وقوله : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ معطوف على قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ وقوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ معطوف على قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ وعلى قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي فيصير الكلام معطوفا على الذكر لأنه مناسب لما قبله من المعنى ، ويصير التقسيم معطوفا بعضه على بعض ، لأن التقسيم الأول في معنى الثاني ، فيتحد المعنى ويتسق اللفظ ، ثم قال : ومثل هذا ، فذكر قصة البقرة ، وقتل النفس ، وقصة المتوفى عنها زوجها ، في الآيتين ، قال : ومثل هذا في القرآن كثير ، يعني : التقديم والتأخير ، ولا يذهب إلى ما ذكره ، ولا تقديم ولا تأخير في القرآن ، لأن التقديم والتأخير عندنا من باب الضرورات ، وتنزه كتاب اللّه تعالى عنه . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً نزلت في عبد اللّه بن سلام ومن أسلم معه ، كانوا يتقون السبت ، ولحم الحمل ، وأشياء تتقيها أهل الكتاب ، قاله عكرمة ، ورواه أبو صالح عن ابن عباس ، أو : في أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قاله

--> ( 1 ) سورة الحجر : 15 / 42 . ( 2 ) سورة الإسراء : 17 / 1 . ( 3 ) سورة فاطر : 35 / 32 . ( 4 ) سورة الأنبياء : 21 / 26 .